أحمد بن سهل البلخي
368
مصالح الأبدان والأنفس
فأمّا الإنسان فإنّ اللّه لمّا خلقه أملس الجلد ، لم يستغن عن اتّخاذ ملابس لنفسه ممّا يغزل وينسج ؛ ليقوم في وقايته أذى الحرّ والبرد مقام الأصواف والأوبار والأشعار التي أعطيت أجناس الحيوان . هذا إلى ما يستجمع له من ستر العورة والزّينة . وكذلك هداه بقوّة التّمييز المجعولة فيه لاتّخاذ بيوت ومساكن يأوي إليها ويستكنّ فيها ؛ فيقوم له مقام تلك الحجرة والأسراب والمغارات التي يأوي إليها أجناس الحيوان ليستكنّ فيها من الحرّ والبرد . فيجب لذلك أن يتفقّد المغنيّ بمصلحة بدنه أمر الملابس والأكنان ، فيستعمل فيهما التدبير الأصوب . 1 / 4 / 4 : وأوّل ما يلزمه في تدبير وقاية بدنه أذى الحرّ والبرد ، ألا يتحرّى دفعهما عنه على غاية الاستقصاء والمبالغة في ذلك ، / قصدا منه لئلا يخلص إليه شيء منهما ، ومن أذاهما ، فإنّ هذا أمر يعسر عليه جدّا إذا رامه ؛ لأنّ الإنسان لا يكاد يتهيّأ له أن يكنّ بدنه من الهواء الحارّ أو البارد حتى لا يضجر لهما ألبتّة . ومتى كان هذا مذهبه في تفنيق « 1 » بدنه وتنعيمه إيّاه ، رقّق بذلك جلده ، وجعله بحال من الرّقّة متى خلص إليه معها أدنى عارض من آفات الحرّ والبرد ، عمل فيه عملا ظاهرا ، وأثّر فيه أثرا قويّا ، يؤدّيانه إلى علّة ومرض . بل الأوجب عليه أن يوقّح « 2 » بدنه وجلده على احتمال ما يمكن احتماله من أعراض الحرّ والبرد ، ليصلب ويمرن عليها ، فلا يسرع إليه أذاهما متى خلص إليه شيء من ذلك في وقت إصحاره « 3 » للهواء الحارّ أو البارد ، أو في حالات تقلّبه وأسفاره ، فإنّ ترقيق الأبدان بإدمان سترها وتغطيتها من أذى الحرّ والبرد ليس بمحمود من التدبير في مصلحة
--> ( 1 ) التفنيق : التنعيم ( القاموس المحيط ف ن ق 2 / 1219 ) . ( 2 ) وقح : صلب ، وتوقيح الحوض : إصلاحه بالمدر والصفائح ، وفي الحافر : تصليبه بالشحم المذاب . ( القاموس المحيط وق ح 1 / 369 ) . ( 3 ) أصحر : برز في الصحراء . ( القاموس المحيط ص ح ر 1 / 369 ) .